مواقع التواصل الاجتماعي بين الوهم والواقع

حسين المناعي
3 Min Read

في زمنٍ أصبحت فيه الشاشات جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل يومنا، لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للتواصل، بل تحوّلت إلى عوالم افتراضية موازية، تُصنع فيها الصور، وتُروى الحكايات، ويُعاد تعريف النجاح والسعادة والجمال. وبين هذا البريق الرقمي، يقف الإنسان حائرًا بين ما يراه على الشاشة وما يعيشه في واقعه.

وهم الكمال المصنوع

تسوّق مواقع التواصل صورة مثالية للحياة: بيوت بلا مشاكل، أسر متماسكة على الدوام، علاقات رومانسية لا تشوبها شائبة، ونجاحات سريعة بلا تعب. هذا الوهم المتكرر يزرع في النفوس شعورًا دائمًا بالنقص، ويجعل المقارنة مرضًا صامتًا، خاصة حين يُقاس الواقع الحقيقي بمعايير مُفلترة ومُنتقاة بعناية.

التأثير النفسي والاجتماعي

الانغماس المفرط في هذه المنصات قد يؤدي إلى العزلة، القلق، وتدنّي تقدير الذات. فالبحث المستمر عن الإعجاب والتفاعل يحوّل الإنسان إلى أسير لآراء الآخرين، ويضع قيمته في عدد المتابعين لا في جوهره الحقيقي. كما أن سرعة المحتوى وسطحية بعضه أضعفت مهارات الحوار العميق والتواصل الإنساني المباشر.

الأسرة تحت ضغط الشاشة

تأثرت البيوت بشكل واضح بحضور مواقع التواصل. جلسات العائلة استُبدلت بصمتٍ جماعي تحكمه الهواتف، والحوارات الدافئة تراجعت أمام إشعارات لا تنتهي. الأطفال والمراهقون هم الأكثر عرضة للتأثر، إذ يتشكل وعيهم من خلال محتوى قد لا يراعي القيم أو الخصوصية أو النضج العمري، ما يفتح الباب أمام مشكلات سلوكية وتربوية معقدة.

العلاقات الزوجية بين العلنية والخصوصية

أدخلت مواقع التواصل مفهوم العلنية إلى أدق تفاصيل الحياة الزوجية، فضعفت الخصوصية، وازدادت المقارنات، وأحيانًا تسللت الشكوك بسبب تواصل افتراضي غير منضبط. كما أن عرض الخلافات أو المبالغة في استعراض المثالية قد يخلق فجوة حقيقية بين الشريكين.

بين الاستخدام الواعي والإدمان

لا يمكن إنكار أن لمواقع التواصل جوانب إيجابية، فهي وسيلة للتعلم، ونشر الوعي، وبناء العلاقات المهنية، إذا استُخدمت بوعي واتزان. الخطر لا يكمن في وجودها، بل في سوء استخدامها وتحولها إلى إدمان يسرق الوقت، ويشوّه الأولويات، ويستنزف الطاقة النفسية.

نحو توازن صحي

إن استعادة التوازن تبدأ بالوعي: وعي بأن ما يُعرض ليس الحقيقة الكاملة، وأن الحياة الواقعية، رغم بساطتها وتحدياتها، هي الأصدق والأبقى. كما يتطلب الأمر وضع حدود للاستخدام، وتعزيز الحوار داخل الأسرة، وغرس قيم النقد والتمييز لدى الأبناء.

في عالمٍ يتسارع فيه كل شيء، تبقى الحقيقة الأهم أن الإنسان خُلق ليعيش ويتواصل ويشعر، لا ليُختصر في صورة أو يُقاس بتفاعل. مواقع التواصل الاجتماعي ليست مرآة صادقة للحياة، بل نافذة انتقائية تُظهر ما يُراد له أن يُرى فقط. وبين الوهم الذي تصنعه الشاشات والواقع الذي نعيشه، تكمن مسؤوليتنا في الاختيار: أن نحافظ على دفء بيوتنا، وصدق علاقاتنا، وسلامنا الداخلي. فالحياة الحقيقية لا تُعاش خلف الشاشات، بل تُبنى في القلوب، وتُحفظ في البيوت، وتُقاس بالطمأنينة لا بعدد الإعجابات.

Share this Article
Leave a comment